محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
452
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
لا بدّ من الترتّب فلا بدّ من التكليف بما لا تهوى الأنفس ، والتعريف بما لا تبصره العقول ، ولمّا كان دعوة أضدادهم إلى التماثل فقالوا : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ * حكموا أنّ التكليف يجب أن يوافق ما تهوى الأنفس وتبصره العقول ؛ فالنفوس والعقول على التساوي والتماثل ؛ وذلك منشأ كلّ إنكار وضلالة ؛ ومن العجب أنّ كلامهم ينقض بعضه بعضا ؛ فإنّ الحكم بالتساوي حكم بالتفاضل ، والإنكار على الترتّب اعتراف بالترتّب ، ولو كان كلّ ما لا تهواه النفوس لا يجب قبوله ؛ فقوله هذا ممّا لا تهواه نفس خصمه ؛ فلا يجب قبوله . وسرّ آخر : أنّ اللّه تعالى كما أبان فضل الأنبياء - عليهم السلام - على الناس كذلك أبان فضل بعضهم على بعض ، قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ فَضَّلْنا ( 197 آ ) بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ؛ فبيّن فضل موسى - عليه السلام - بما آتاه الكتاب الكامل المشتمل على جميع الشرائع والأحكام ، المميّز بين الحلال والحرام ، فيه هدى ونور يحكم به النبيّون من بني إسرائيل ، وأنّ داود وسليمان وزكريّا ويحيى وعيسى على جلالة أقدارهم ومتانة كتبهم كانوا متعبّدين بما في التوراة ، حتّى قال عيسى - عليه السلام - « ما جئت لأبطل التوراة لكنّي جئت لأكملها » 559 ، وذلك قوله تعالى : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، والبيّنات على ما ورد في آية أخرى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهي تأويل ذلك التنزيل وأسرار تلك الظواهر وبواطن تلك الآيات . وقوله : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وقد قيل في التفسير : هو جبرئيل - عليه السلام - وقيل : هو الإنجيل ؛ وقيل : هو روحه المقدّس ؛ والكلّ صحيح ، ولكلّ واحد من الأقوال وجه ؛ والذي يجمعها روحانية التأييد من اللّه تعالى والعصمة والتسديد والتوفيق في كلّ حركة وخطرة ، فتارة كان مظهره الإنجيل وهو إذا نسب إلى حركته القولية ، وتارة كان مظهره الروح الأمين جبريل - عليه السلام - وهو إذا نسب إلى حركته الفعلية ، وتارة كان مظهره روحه المقدّس المبارك وهو إذا نسب إلى حركته الفكرية . وأنّ النصارى نطقوا بثلاث كلمات ضلّوا في اثنتين منها وأصابوا في واحدة . قالوا باسم الأب والابن وروح القدس ؛ فالأب والابن كلمتان قد أخطأوا في إطلاقهما : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . وقولهم : روح القدس قول